الأخلاق والجماليات في التراث الإسلامي
ملامح إشكالية
إيمانويل بيزاني
المعهد الدومنيكي للدراسات الشرقية، القاهرة
خلال إقامته في إسبانيا سنة 1932 كتب الفيلسوف والشاعر بالأردية محمد إقبال واحدةً من أشهر قصائده، Masjid-e-Qurtaba. تتحول تجربة السفر والزيارة في هذه القصيدة إلى تأمل تاريخي وروحي في الإسلام وهو يُمتحَن بمرور الزمن. وترد القصيدة ضمن مجموعته Bāl-e-Jibrīl (أي: جناح جبريل). وفي المقاطع القليلة المنتقاة هنا يصوغ وصفه للمقام على النحو الآتي:
يا مسجدَ قرطبة،
بالحبِّ أنت موجود؛
الحبُّ خلودٌ صافٍ،
لا صيرورةَ فيه ولا اضمحلال.
لونٌ، أو طوبٌ، أو حجرٌ،
وترٌ، أو حرفٌ، أو صوتٌ،
لا يظهرُ إعجازُ الفنِّ
إلا بدمِ القلب.
(…)
هيبتُك وجمالُك
برهانُ رجلِ الله؛
هو أيضًا هيبةٌ وجمالٌ،
وأنت أيضًا هيبةٌ وجمال.
بناءُك باقٍ،
وأعمدتُك لا تُحصى،
كجمهرةِ النخيل
في صحراءِ الشام.
على أبوابِك وسقوفِك
يشرقُ نورُ وادي أيمن؛
ومئذنتُك تعلو،
موضعَ تجلّي جبريل.
(…)
وعبرَك انكشفَ
سرُّ المؤمن:
حرارةُ أيّامه،
ووهجُ لياليه.
حين يقرر إقبال أن مهابةَ الأثر هي بعينها مهابةُ المؤمن، فإنه يدعونا إلى أن نفكر في الجماليات داخل التراث الإسلامي لا بوصفها تزيينًا زائدًا، بل بوصفها تجسيدًا للإيمان وللفضيلة الدينية والروحية والأخلاقية. فحجرُ قرطبة لا يقوم بالملاط، بل بالمحبة—ذلك «الخلود الصافي» الذي يوفق بين الشكل المحسوس والطلب الأخلاقي.
يسهل، في ضوء هذه القصيدة، أن نفتح موضوع ملتقانا عن «الأخلاق والجماليات في التراث الإسلامي»، إذ في هذا المكان لا شيء يحبس النظر، والعين تنفتح على اللانهاية. فهي لا تدري أين تتوقف ولا من أين تبدأ. وفي هذه الأعمدة التي لا تُعدّ، يتحرر الذهن من كل شكل؛ لا يثبت على هيئة، بل يمضي ويتخلى عن التحديد داخل غابةٍ لا تنتهي. ولكن كيف نقرأ ونلتقط معقولية هذا الإدراك الفني لللانهاية؟
في التقليد الفلسفي الأوروبي، تشكلت مقاربة الجماليات الإسلامية إلى حد بعيد بفعل القراءة التي اقترحها هيغل في كتابه محاضرات في علم الجمال. فهو يعترف في فنون «الشرق» بجمال الصقل الزخرفي، ويتخذ الأرابيسك مثالًا لذلك، لكنه يرى فيه دليلًا على عجز «الفكرة» عن أن تتعين في صورة ملموسة. فالتكرار اللامتناهي للوحدات الزخرفية، في نظره، علامةُ روحٍ تهرب إلى التجريد فلا تُحسن القبض على الواقع الروحي للإنسان. وبحسبه، حتى وإن اتسم الفن الشرقي بمحاولة الروح التعبير عن المطلق، فإنه يفتقر إلى شكلٍ محسوسٍ ملائم، فينشأ اختلالٌ دائم بين الفكرة والهيئة الفنية. ومن ثمّ يُدرج هيغل الفن الإسلامي ضمن مجال «السامي»، لأن المطلق يُتصوَّر بوصفه وحدةً مجردة يقف أمامها الفرد عاجزًا بعدُ عن تثبيت ذاته باعتباره موضوعًا حرًّا. فالفن الإسلامي يدل—في رأيه—على توجه روحي أصيل ومتجذر تاريخيًا، لكنه يظل فنًا قبل-كلاسيكي. وهو unvollkommene, unangemessene, vorbereitende Kunst، أي فنٌّ غير مكتمل وغير ملائم وتمهيدي. لا يبلغ وحدةَ الشكل والحرية الذاتية التي تُعرِّف الفن الكلاسيكي اليوناني ثم الفن «الرومانسي». وهذه «العجز عن تصوير المطلق» يمنع، عنده، وحدةَ الشكل والمضمون الواعية التي هي شرط الفن المكتمل. وقد تركت هذه الرؤية أثرًا عميقًا في الاستشراق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا تزال حتى اليوم تسهم في تشكيل بعض الأحكام على جماليات الفن الإسلامي. غير أن بحوث مؤرخي الفن—شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا—تجاوزت هذه المقاربة إلى حد كبير. فقد بيّن أوليغ غرابار، مثلًا، أن الزخرفة الإسلامية ليست تعويضًا عن تمثيلٍ مفقود؛ إنها تنظّم التجربة الجمالية ذاتها، وتكوّن بنيةً مركزية لإنتاج المعنى، وتعمل وسيطًا فاعلًا بين العمل والفضاء والمتلقي. وعلى خلاف المنظور الهيغلي، لا يسعى الفن الإسلامي إلى «قول الفكرة» داخل هيئة، بقدر ما يضع الذات في علاقة دينامية مع الفضاء والمرئي. ومن جهتها، أثبتت غُلرو نجيبوغلو أن التجريد الإسلامي تصوريٌّ وعقليٌّ، وليس بدائيًا أو مجردًا رمزيًا بالمعنى الهيغلي. وفي كتابها The Topkapi Scroll: Geometry and Ornament in Islamic Architecture تُظهر أن الهندسة والتكرار يعكسان عقلانية بصرية فائقة التعقيد، لا مرحلةً بدائية من تاريخ الفن.
وبالتنقيب في الموروث الفلسفي والكلامي والفقهي والروحي في الإسلام، بيّن باحثون آخرون أيضًا أنه يقدّم منظورات أصيلة للتفكير في الصلة بين الأخلاق والجماليات، وأنه يملك مفاهيمه الخاصة التي تعبّر عن إدراكٍ مميّز تعجز الرؤية الهيغلية عن بلوغه، لأنها أسيرة قراءةٍ أورومركزية للعالم. ومن ثمّ يأتي ملتقانا في ضوء هذا الحقل الخصيب من إعادة ضبط المعرفة وتجديد الاعتراف. لكن يلزم، قبل ذلك، تحديدُ عقبةٍ—وليست صغيرة—إن لم تُرفع فإن طموحنا قد يعيد إنتاج الأورومركزية الهيغلية في صيغةٍ أخرى. أليست الكلمات ذاتها التي صغنا بها موضوعنا مشروطةً تاريخيًا وجغرافيًا؟ أليست تقودنا بعيدًا عن تلك النظرة الخاصة إلى التراث الإسلامي التي نروم دراستها؟
فكيف ترجمنا «الأخلاق» و«الجماليات» إلى العربية؟ بدا لنا أن مصطلحي الأخلاقية (aḫlāqiyya) والجمالية (ǧamāliyya) هما الأنسب. غير أنهما في الحقيقة نَحْتان حديثان لا نعثر عليهما بهذه الصيغة عند ابن سينا أو الفارابي أو الغزالي. إنهما يترجمان إشكاليةً تعود إلى القرن الثامن عشر، وتندرجان ضمن تمييزات فلسفية بين الجماليات والجميل، وبين الأخلاق والمُثل/المعايير الخلقية (المورال).
إذا كانت «الجماليات» و«الجميل» في العربية مشتقين من الجذر نفسه ǧa.ma.la، فإن الفرنسية تستند إلى أصولٍ مختلفة: فكلمة beau تعود إلى اللاتينية bellus وتشير إلى المتناسق والمُرضي، أي إلى صفةٍ في الشيء أو في التجربة. فالجميل قيمة. أما esthétique فمشتقة من اليونانية aisthēsis التي تحيل إلى الإحساس والإدراك. وفي القرن الثامن عشر، وفي عملٍ تأسيسي، عرّف باومغارتن الجماليات بأنها علمُ المعرفة الحسية؛ أي إنها نظريةٌ في الحساسية والشعور والخبرة الإدراكية. وضمن هذا الإطار لا يمكن اختزال الجماليات في الجميل وحده، لأنها قد تشمل القبيح والسامي والصادم والملتبس والمقلق. ويمكن استدعاؤها للتعبير عن قداسة مكانٍ ما—مسجدًا كان أو الكعبة ذاتها—كما يمكن استدعاؤها للتعبير عن مقاومةٍ لنظامٍ اجتماعي أو سياسي، أو عن علاقةٍ ملتبسة بالعنف أو الدم، كما في «جماليات الشهداء». ثم إن باومغارتن لا يحصر الجماليات في الفن، بل يجعلها تمتد إلى مجالٍ أوسع من المعارف التي لا تدخل تحت علمٍ عقلي منطقي متميّز، فتشمل خصوصًا فنون التذكّر (105، 241) والتنجيم والفراسة وعلوم العِرافة، إلى غير ذلك. وما يسميه «نظير العقل» (analogon rationis) يشير إلى ملكة المعرفة الحسية: فهي لا تنتج معرفةً مفهومية واضحة، لكنها تنظّم المحسوس على نحوٍ منسجم وفق منطقه الخاص. وبالمقارنة مع «الجميل»، فالفارق بنيوي وإبستمولوجي في آن: فالجماليات لا تحيل إلى خاصيةٍ في الوجود—كالتناسق أو التناسب—ولا إلى ميتافيزيقا تُتأمَّل، بل إلى الطريقة التي «يعرف» بها الحس.
أما «الأخلاق»، فإن الفرنسية تضع تمييزًا حاسمًا بينها وبين «المورال/الأخلاق المعيارية». فبينما تستخدم العربية الجذر ḫa.la.qa للدلالة على المجالين، تستند الفرنسية إلى أصلين مختلفين يصرّحان بالتمييز: فكلمة morale تعود إلى اللاتينية mōres، أي «العادات»، وتدل على قواعد سلوكٍ رسّختها الجماعة اجتماعيًا. وعند شيشرون وسينيكا، يدل mōs/mōrēs على السلوك الموافق لفضائل المجتمع وقوانينه؛ فالمورال يصف ما ينبغي فعله للامتثال للأعراف أو للفضائل الجمعية. وفي الفلسفة الحديثة يتخذ طابعًا كونيًا مع الأمر المطلق الكانطي، لكنه يبقى معياريًا. أما «الإيتيقا» (الأخلاق بالمعنى الفلسفي)، فتعود إلى اليونانية ēthos أي «الطبع/الشخصية». والإيتيقا الأرسطية عملية: غايتها eudaimonia، الحياة الطيبة، عبر تشكيل الطبع بالعادة والعقل. إنها شأنُ التكوين الداخلي وتنمية الاستعدادات الشخصية. وفي الفلسفة الحديثة تكون تأملية وسياقية، متصلة باستقلال الذات وبالحكم. وبكلمات بول ريكور: إنها «التطلع إلى الحياة الطيبة، مع الآخرين ولأجلهم، ضمن مؤسسات عادلة»، وهي صياغةٌ بليغة تُبرز البعدين العلاقي والسياسي للأخلاق. كما تؤكد هذه الصياغة بُعدًا غائيًا (تيلولوجيًا) للأخلاق—هو بُعد «الحياة الطيبة»—إذ توجه الوجود نحو اكتمالٍ وغايةٍ تسبق القاعدة، فيما تدخل المورال أولًا بمطلبها المعياري. ولترجمة الأخلاق الأرسطية استخدم الفلاسفة العرب كلمة الأخلاق (aḫlāq)، في حين تُستعمل الأخلاقية بالمعنى الحديث لترجمة البعد النقدي والتأملي للأخلاق.
ومن هذه الملاحظات الاشتقاقية يتضح أن المصطلحين العربيين المُعتمدين لعنوان ملتقانا يُدرجان موضوعه في إشكاليةٍ لا تبدو، للوهلة الأولى، متصلةً باستنطاق التراث. فهي لا تدعونا مباشرةً إلى بدء التفكير في العلاقة بين الأخلاق والجماليات انطلاقًا من المصادر الإسلامية الكلاسيكية. صحيحٌ أن المصطلح لا يمنع، من منظورٍ إسلامي، مساءلة الخبرة الحسية والتعبير عنها. وهو يتيح فهم السعي إلى السعادة والرغبة في العيش الحسن، وإبراز علاقةٍ إيجابية بالآخر، وبناء حوارٍ بين الأديان أو الثقافات يرتكز إلى جمالياتٍ متعددة المصادر. كما قد يحيل إلى قضايا مسؤولية الفنان وحدود التعدّي، وأخلاقيات تمثيل الجهاد أو العنف أو المقدس، أو إلى الاستخدامات الجمالية للتقنيات. لكن كل ذلك ينتمي إلى إشكال حديث ومعاصر لا يدعونا إلى أن نجعل التراث الإسلامي ذاته—بوصفه مصدرًا أول—نقطةَ الانطلاق، وهو ما يشكل، فلنقرّ بذلك، مفارقةً حقيقية.
وتزداد المفارقة أهميةً لأن عددًا كبيرًا من مفكري الإسلام في العصور الوسطى تناولوا مسائل تتعلق بتشابك الجمال والحسّ والفنّ والكمال، واستطاعوا أن يصوغوا مفاهيم لكتاباتهم في الفلسفة والكلام والفقه والطب والبصريات والبلاغة. ويمكن التفكير، مثلًا، في مفاهيم الجمال (ǧamāl) والحُسن (ḥusn) والزينة (zīna) والإحسان (iḥsān). ألا تقول هذه المفاهيم شيئًا مخصوصًا عن تداخل «الأخلاق» و«الجماليات»؟ وكيف استطاعت هذه العلاقة، في العالم المؤمن الإسلامي، أن تعبّر عن تصورٍ خاص لتنزّه الله وأن تشكّل مسارًا روحيًا أو عرفانيًا مميزًا؟
وقد عولجت هذه المسألة ضمن فلسفة الفن، وأبانت أعمال ʿAfīf Bahnasī على نحوٍ خاص أن أبا حيان التوحيدي، فيلسوف بغداد في القرن العاشر، لم يكن أديبًا فحسب، بل كان أيضًا منظّرًا لجمال الأشكال. وقد قُرئت الخطاطة (الخط العربي) بوصفها ملتقى بين كمال الطبيعة وروحانية النفس. فالقلم والكتابة عند أبي حيان التوحيدي ليسا مجرد تقنية لنسخ الآيات، بل هما موضعُ تداخل بين الميتافيزيقا وعلم النفس والفنون التشكيلية. وفي رسالته الشهيرة رسالة في الخط والقلم يضع أسسًا تجعل من الكتابة «فينومينولوجيا للروح» بالمعنى الدقيق. وعلى خلاف هيغل الذي رأى في الخط نقصًا وفقراً تمثيليًا، يتحدث التوحيدي عن «هندسة روحانية» (Handasa rūḥāniyya) ويعرّفها تعريفًا ذائعًا: «الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية». فحسن الحرف يقوم على التناسب (tanāsub) والقياس (tasāwī)، وهو—كالهندسة—ينشد الاعتدال (iʿtidāl) والتوازن التام. وهذه الكمالية الهندسية تعكس انسجام الكون المخلوق. فحين يرسم الخطاط خطًا مستقيمًا متقنًا فإنه يحاكي دقة الصنع الإلهي. لكن الأمر لا يقف هنا: فحركة اليد ثمرةُ مسارٍ يبدأ في النفس. جمالُ الأثر انعكاسٌ مباشر لصفاء روح الكاتب: إن اضطربت النفس تردد الخط، وإن اتسقت مع ربها ومع طبعها استقام الخط وارتقى. وهنا تلتقي الجماليات بالأخلاق (aḫlāq): على الخطاط أن يزكّي باطنه لتغدو يده أداةً أمينة لـ«النور الداخلي». ولدى التوحيدي القلم مترجمُ العقل. وبعبارةٍ أخرى، فالجمال الخطي «معقول» قبل أن يكون «محسوسًا». والإعجاب بالمخطوط الجميل ليس مجرد متعة بصرية، بل هو إدراكٌ عقلي للحكمة والنور المودَعَين في أشكال الخط. وتتجلى هذه المزاوجة بين الجماليات والأخلاق عبر مفاهيم تجمع الوصف التقني بالحكم الجمالي: فـwāḍiḥ (الوضوح) هو وضوح الحرف الذي ينبغي أن يُقرأ، لأن الحقيقة الإلهية لا تحتمل الغموض. وsahl (السهولة/السلاسة) هي سلاسةُ الأثر الذي يجب أن يبدو طبيعيًا بلا تكلّف، انعكاسًا لكرم الطبيعة. وtašrīf (التشريف/التهذيب) يتعلق بارتفاع الحروف أو اتصالها بما يوحي بسُلَّمٍ من النبل والرتبة. ومن حيث اللاهوت، فالخط فنُّ إظهار كلمة الله: القرآن. فالكتابة تصبح جسرًا بين عالم الشهادة وعالم الغيب. وهي جهدٌ إنساني لإكساء الوحي حليةً تليق بمصدره الإلهي. وإذا أردنا تلخيص ذلك: يتبين أن الخط عند التوحيدي هو الفن الذي تتحد فيه الجماليات (حسن الصورة) والأخلاق (تهذيب النفس) واللاهوت (تجلّي الكلمة). إنه «هندسة روحانية»: أثرٌ محسوس للكلمة غير المخلوقة عبر وساطة العقل الإنساني.
إذا كان فن الخط وجماله مندمجًا في بعدٍ أخلاقي وروحي، أفلا يحتفظ الجمال مع ذلك بصلاتٍ ملتبسة—بل خطرة—مع الحسّ والعقل، إذ قد يصرفهما أو يضللهما؟ يطرح أفلاطون هذه المسألة، ويزيدها أفلوطين حدّةً في التِّساعيات (Enneads، I، 6) حين يشدد على أن الجمال الحسي قد يصبح تشتيتًا وجوديًا، وأن النفس إذا افتتنت بالأشكال المرئية خاطرَت بنسيان أصلها المعقول. فكيف عالج فلاسفتنا وشيوخنا الروحيون في الإسلام هذا التصور لجمالياتٍ تُضلّ النفس؟ ثم إننا إذا استحضرنا أفلاطون، أليست الآية القرآنية التي تنتقد الشعر—وتصف الشعراء بأنهم «يهيمون في كل وادٍ» و«يقولون ما لا يفعلون»—تعبر عن ريبةٍ إزاء جماليات الكلمة والبلاغة القادرة على تغطية الباطل أو، الأسوأ، تبرير الفجور؟ ذلك أن جمال الشكل الشعري قد يُضفي على الرذيلة جاذبيةً تُهدد المجتمع من أساسه.
لذلك حذّر كثيرٌ من مفكري الإسلام من كل جمالٍ حسي قد يغدو عائقًا أمام الحياة الأخلاقية والروحية. فالجماليات قد تكون «تشتتًا». ومن ثمّ قُدِّمت مصطلحات مثل الزينة (zīna) والزخرف (zuḫruf) بوصفها أشكالًا من الخداع أو اللهو (lahw) التي تُبعد عن الحق. فهي خداعٌ لأن التذهيب الخارجي قد يخفي قبحًا باطنيًا، وهي إضلالٌ لأن لذة العين تصرف القلب عن توجهه إلى الواحد. ولدى شيخٍ صوفي مثل الهجويري في كتابه كشف المحجوب تظل الزينة موضع شبهةٍ دائمة؛ إذ يرى أن زخرف الدنيا هو الحجاب بعينه، ومن ثمّ هو نقيض الكشف الروحي الذي تسعى إليه الطريق الصوفية. وليس غريبًا إذن أن يدعو إلى أخلاقٍ تقوم على التجرد، حيث لا تكون الجماليات «زينةَ الظاهر» بل «شفافيةَ الوجود». فأي زخرفٍ لا يخرج من القلب يتحول عند الهجويري إلى صنمٍ يحول بين المؤمن وربه. وفي السياق نفسه يهاجم الغزالي (ت. 1111) غرور بعض علماء البلاط وفقهائه المتدثرين بثياب التفاخر. ففي إحياء علوم الدين يفضح هذا الترف في اللباس بوصفه كفنَ فراغهم الروحي: إذ يعتنون بزينة الدنيا فيُظهرون، من حيث لا يشعرون، الهوة التي تفصلهم عن الحقائق السماوية التي يدّعون خدمتها. وإذا أخذوا مال الفقراء ليكسوا أنفسهم بالذهب أو ليسكنوا القصور فقد ارتكبوا ظلمًا.
وقبله، كان ابن حزم القرطبي—على الرغم من دقته في تنظير الحب والجمال في طوق الحمامة—يتحرك ضمن أنثروبولوجيا أخلاقية ترى الجمال الحسي ملتبسًا من حيث الأصل. فليست الزينة وحدها هي المشكلة، بل الجمال نفسه (ǧamāl). ففي طوق الحمامة كما في الأخلاق والسير يظهر الجمال أولًا بوصفه فتنة (fitna) قد تُميل النفس إلى الهوى (hawā) وتُقوّض العقل عبر الحواس. فالجمال الجسدي ليس بريئًا: إنه يجذب لكنه يخدع، ويغري لكنه قد يعمي الفهم إذا لم يُخضع خضوعًا صارمًا للفضيلة. ومن هنا رياضةُ النظر التي يحلل بها ابن حزم وهمه تفكيكًا: fa-in aʿǧabta bi-ǧamālika, fa-tafakkar fī istiḥālatika fī al-qabr ǧīfatan muntinatan yahrubu min qurbihā, wa-fī ṣayrūratika haraman qabīḥan — «إن أعجبتك جمالك فتفكر في صيرورتك في القبر جيفةً منتنةً يهرب من قربها، وفي صيرورتك هرمًا قبيحًا».
وهذا الموقف ليس وعظًا أخلاقيًا فحسب، بل يقوم على إبستمولوجياٍ ضمنية: فالمحسوس موضعُ خطرٍ على العقل، والجمال—بدل أن يكون طريقًا إلى الحق—يجب أن يُراقَب ويُضبط ويُؤدَّب. لكن هل تمثل هذه الريبة من الجمال الحسي كل التفكير الإسلامي الوسيط؟ وهل ينبغي اعتبار الجمال خطرًا على العقل، أم يمكن أن يصبح، على العكس، سبيلًا إلى الحق والخير؟ هنا بالذات تنفتح رؤية الفارابي (ت. 950) ثم—على نحوٍ أكثر جذرية—رؤية ابن عربي (ت. 1240).
في Kitāb al-Siyasiya يفهم الفارابي الزينة بوصفها انعكاسًا للبهاء الإلهي. فالأخلاق والجماليات متداخلتان عنده تداخلًا عميقًا لأن علاقتهما بنيوية في طبيعة الوجود. الجمال تعبيرٌ عن الكمال، ومن ثمّ يحيل إلى الله ذاته: جمالٌ مطلق وكمالٌ مطلق. فكلما اقترب الموجود من كماله ازداد جمالًا، والقبح ليس إلا ظهور نقصٍ أو عدم كمال. ثم إن البرهان الفلسفي المجرد ليس في متناول الجميع، فتغدو الجماليات أداةً في خدمة الأخلاق: عبر المحاكاة (muḥākāt) والخيال يترجم الشعراء والفنانون الحقائقَ المعقولة إلى صورٍ محسوسة، فتغدو الحقيقة مفهومةً وعامة. وهكذا يجعل جمال الصور والقصائد والأعمال الفنية المبادئ الأخلاقية مرغوبةً ومعقولة، ويدفع المواطنين إلى ممارسة الفضائل واجتناب الرذائل. فالجماليات هنا خاضعة للغاية الأخلاقية والسياسية للمدينة الفاضلة: إنها «تكسو» الأخلاق كي تصل إلى الجميع. ولا تقتصر هذه الوساطة على المرئي، بل تشمل المسموع أيضًا. ففي Kitāb al-Mūsīqā al-Kabīr يضع الفارابي علم نفسٍ للموسيقى. ويميّز ألحانًا تؤثر في الطباع (al-alḥān al-muʾaṯṯira) فتسكّن الانفعالات أو تهيّجها. ويروي ابن خلكان، في ترجماته للرجال، حكايةً مشهورة عن تمكّن الفارابي من المقامات وآثارها (al-taʾṯīr): إذ دُعي إلى مجلس سيف الدولة الحمداني في حلب، وطُلب منه أن يجلس حسب مرتبته، فجلس—بثقةٍ خارقة—إلى جوار الأمير. ولما سُئل عن قدرته الموسيقية أخرج آلةً من ابتكاره وقال: «أيُّ انفعال تريدون أن أوقظه في الحاضرين؟» فعزف لحنًا أطلق ضحكًا لا يُقاوَم، ثم غيّر المقام فعزف ما أوقع المجلس في حزنٍ جارح، ثم ختم بلحنٍ رقيقٍ ألقى على الجمع سُباتًا لا يُدافَع. فاغتنم ذلك وانصرف خفية. وهكذا، بما أنها تؤثر في الطبع، لا تُختزل الموسيقى في المتعة، بل لها وظيفة علاجية وأخلاقية: تعيد التوازن إلى النفس وتغذّي الانسجام الداخلي، وهو شرطٌ لا غنى عنه للسلوك الفاضل.
أما ابن عربي (1165–1240) فيقطع مع نقد الزينة بوصفها سطحيةً دنيوية، أو مع نقد بعض المتصوفة الأوائل للجمال بوصفه سبيلًا إلى الضلال—وهو نقدٌ يتبناه الغزالي جزئيًا. فهو يقرأ حديث «إن الله جميل يحب الجمال» بوصفه دالًا على بنية الوجود ذاتها. فالله جميلٌ في ذاته، ويحب الجمال لأنه يتجلّى فيه، ويحب من يعرفه في الصور. والزينة ليست مجرد إضافةٍ خارجية، بل هي ما يجعل الله به العالم ظاهرًا مقروءًا محبوبًا. إنها ليست طلاءً على الوجود، بل هي الصورة المرئية لاسمٍ إلهي. وفي أفق ابن عربي لا تأتي النجاة من الشكل في حد ذاته، بل من نوع النظر (naẓar) الذي يرى في الشكل تجلّي الله وظهوره (maẓhar أو taǧallī). والخطر الحقيقي هو أن يتوقف المرء عند الشكل فيُطلقه مطلقًا، بدل أن يعبر الشكل ليشهد الله فيه. فالخلاص ليس أولًا نظام عقوباتٍ ومكافآت، بل هو ألا يُحجَب الإنسان عن الله: أن يرى الله في الصور من غير أن يحبسه فيها. ويتحقق ذلك بالتحقيق (taḥqīq) والكشف (kašf) والمعرفة (maʿrifa). ومع ذلك لا تقف الأخلاق (aḫlāq) على الهامش، بل هي شرط النظر السديد: فالحجاب ليس في الشكل، بل في الاستعدادات الداخلية. والأخلاق، لأنها تشبّهٌ بالله (تخلّقٌ بصفاته)، تنقّي القصد وتُصلح النظر.
وعليه فالمعجم الجمالي العربي ليس ثابتًا، بل هو مجالُ توتراتٍ وجدالات. وهذه المرونة الدلالية تفرض يقظةً فِيلولوجية وتستلزم منا انتباهًا دائمًا للتاريخية وتحوّل المعنى: فكل لفظة مسارٌ تاريخي متعدد الدلالات ينبغي تحديده، وأحيانًا داخل كتابات المؤلف نفسه. فمع أن بعض الكتاب الصوفيين يحذرون من التشتت الذي قد تُحدثه الجماليات، فإنهم يرون فيها أيضًا طريقًا للكمال يفتح الإنسان على الجنة. وإزاء التحذيرات والنقود والإدانات—قديمةً ومعاصرة—رأى بعضهم، بل أحيانًا المؤلف ذاته، في صلة الجماليات بـالأدب (بوصفه أدبًا وثقافةً وأخلاقَ فعلٍ جميل) مخرجًا من ambivalence بين الأخلاق والجماليات. فإذا تهذّب الفن وتشكّل بنُبل الروح، على مثال الجمال الذي تجسده شخصية رسول الإسلام، الذي تتغنى الأحاديث بفضائله (مكارم الأخلاق)، أمكن للفن أن يعيد الفرد إلى الانسجام الداخلي. وقد أبرز العمل العلمي الممتاز الذي أُنجز بإشراف Catherine Mayeur-Jaouen وLuca Patrizi وFrancesco Chiabotti وEve Feuillebois-Pierunek أن الأدب يبدو موضعَ التقاء بين أخلاق السلوك وجماليات الشكل والمعرفة بوصفها تربيةً روحية. فهو يصل بين الجميل والخير، وبين الكمال الشكلي والاستقامة الخلقية. وقد ارتبط الأدب في بداياته بصورة الأديب العالم بالشعر القديم والبلاغة وبذاكرة الملاحم القبلية (ayyām al-ʿArab)، ثم تحول—بفعل الاحتكاك بالإرث الفارسي—إلى مثالٍ للتميّز وحسن العيش، وصار اسمًا للرِّقّة والظرف (ẓarf) واللياقة وأشكال التمدّن في الأوساط البلاطية. ويؤسّس الحديث المشهور: «أدّبني ربي فأحسن تأديبي» هذا التصور، إذ يجعل الأدب مبدأَ التفكير في وحدة الجميل والخير والحق، ونقلها وعيشها. فالأديب يعرف كيف يهب أفعاله وأقواله صورةً جميلة: تصبح الأخلاق أداءً جماليًا؛ لا يكفي أن يكون المرء صالحًا، بل ينبغي أن يكون كذلك بأناقةٍ واعتدالٍ ورُقيّ. ويتجلى الحُسن بوصفه جمالًا وخيرًا في الإشارة وفي الكلام المنتقى. إنها ليست إزالةً للمورال، بل تحويلٌ للمورال إلى مرآةٍ للجمال الإلهي. وفي هذا الإطار يتطلب الأدب إتقان البلاغة (balāġa). ولا تُختزل البلاغة في الخطابة الأرسطية؛ بل هي، وفق الجرجاني، «مطابقة الكلام لمقتضى الحال». فالجمال ليس في الألفاظ وحدها، بل في الكيفية التي تُظهر بها المعنى. وجمال اللغة ليس زينةً خارجية، بل شرطٌ لنقل الحكمة: فالمعرفة التي تُقدَّم تقديمًا سيئًا تفتقر إلى الأدب. ومع ذلك فالأدب يروم أيضًا أن يعلّم مع الإمتاع: إنه imṭāʿ wa-muʾānasa. فالإمتاع لأن فيه لذةً—لكنها لذةٌ فاعلة تحرّك الذهن والحس—والمؤانسة لأنها تخلق ألفةً وتكسر العزلة الفكرية أو الوجودية وتُظهر دفءَ التبادل. والجماليات الأدبية تجعل المعرفة الأخلاقية والعقلية «مستساغة» للنفس. وأخيرًا، يشكّل الأدب النظر والحساسية: فلتقدير الجمال—جمال قصيدةٍ أو حديقةٍ أو مسجد-كاتدرائية أو وجه—لا بد من تربية. فصاحب الأدب (muʾaddab أو mutaʾaddib) ليس مهذبًا في السلوك فحسب، بل مُربّى في الذوق. إنها جمالياتٌ مُثقَّفة: فالحس ليس مجرد غريزة، بل فنٌّ يُتعلّم. والأديب هو القادر على التقاط اللطائف (laṭāʾif) في الأعمال الأدبية أو التشكيلية أو السينمائية، حيث تتداخل الجماليات والأخلاق. وهكذا يسمح وصلُ الأدب بالجماليات بحلّ التوتر بين لذة الحسّ وصرامة الأخلاق، إذ يفرض الأدب مفهوم الاعتدال (iʿtidāl)، وهو مفهومٌ جمالي (بانسجام النِّسَب) وأخلاقي (بضبط الأهواء) معًا. ومن هنا يتحدد مثال الإنسان في الثقافة العربية الكلاسيكية: تحقيقُ الاندماج بين نبل الخُلُق وجمال التعبير الثقافي.
في التراث العربي يُفهم الجمال (ǧamāl) كثيرًا بوصفه صفةً أخلاقية أو روحية، وتُفهم الفضيلة/الخُلُق (ḫuluq) بوصفها شكلًا من الكمال أو جمالًا باطنيًا. بهذا المعنى يتجاوب الجميل والخير في الفعل والإبداع والإدراك. والعمل على الخُلُق هو نحتُ الشخصية حتى تبلغ الاعتدال. وفي معجمه الشهير المخصّص يبيّن ابن سيده أن «الجمال يكون في الخُلُق والخَلْق معًا» (al-ḥusn fī l-ḫuluq wa-l-ḫalq). وبحسب المعجم المتاح في عصره يذكر ألفاظًا متصلة بالجمال: النضارة (nāḍir) والبهجة (bahǧa) والبهاء (bahāʾ) واللون المتقد (mashbūb) والرشاقة (ġarāniq) والطهارة (ǧahāra) والطلاوة (ṭalāwa). وفي التصوف يُعدّ هذا الاشتغال على الطبع جوهريًا: فهو ليس محاكاةً لأخلاق النبي فحسب، بل هو أيضًا التخلّق بأخلاق الله (al-taḫalluq bi-aḫlāq Allāh)، وهو أمرٌ عسير، ويظل عند الغزالي ثمرةَ مشيئةٍ إلهية، أي عطاءَ نعمة.
وهكذا يقدم التراث الإسلامي الجميل والعدل والحق ضمن تعدديةٍ من السجلات لا تتنافى بل تتجاوب. فالنصوص المقدسة والتأمل الكلامي يضعان الجمال بوصفه فيضًا من الإلهي؛ وفي التصوف خاصةً تصبح الخبرة الجمالية طريقًا للمعرفة الروحية حيث يغدو المحسوس شفافًا للحق. أما الفقه فيُدرج الجماليات داخل معياريةٍ عملية بتنظيم الممارسات الفنية وأنماط الإدراك ضمن نظام عيشٍ وقيمٍ اجتماعية مشتركة. وأما الفلسفة (الفلسفة/falsafa) فتمارس وساطةً حاسمة بين الإرث اليوناني والفكر العربي، إذ تفهم الجمال بوصفه وجهًا من وجوه معقولية الواقع يُدركه العقل باعتباره انعكاسًا لحقيقة نظام العالم.
Silsalah-E Roz-O Shab, Naqsh Gar-E Hdsaati: «سلسلة الأيام والليالي هي نحاتةُ الأحداث»، يكتب محمد إقبال في جناح جبريل. بهذه الأبيات المهداه إلى مسجد قرطبة يذكّر الشاعر بأن أعمال البشر، إذا سكنتها رؤيةٌ روحية، تعبر الزمن وتظل تُسائل التاريخ. وفي هذا الأفق يريد ملتقانا أن يتموضع: أن يفكر في تشابكات الأخلاق والجماليات في التراث الإسلامي، آخذًا بقدر ما فيه من توترات وبقدر ما فيه من وعود، ومعترفًا بأن الجمال ليس مجرد زينةٍ للمعنى، بل أحدُ المواضع التي يتشكل فيها—عبر القرون—علاقة الإنسان بالحق والعدل والإلهي.
قائمة المراجع: انظر النسخة 2.